كيف أتعامل مع القلق؟

في تدوينة سابقة [كيف تتعامل مع عميلك الغاضب] ذكرت، مجازًا، أنّي لا أملك كثير من الوقت بسبب ممارستي لهواية القلق من المستقبل. وبالتأكيد هذا كان على سبيل المزاح، فلا أعتقد أنّ هناك من يحب القلق، فهو شعورٌ مَقيت ويُعطّل حيواتنا في كثير من الأحيان. شخصيًا أعاني من القلق بدرجات منخفضة -الحمد لله على كل حال-، هذا يجعلني أبحث دومًا حول الموضوع؛ لإيجاد طرائق وأساليب تُمكّنني من تخفيف تأثيرات القلق على حياتي، أو حتى التعايش معه.

في هذه التدوينة، سأذكُر بعض الطرق التي أستخدمها للتخلص من القلق.

*جديرٌ بالذكر: الطرق والأساليب المذكورة هنا توصّلت إليها من خلال البحث والتجربة، ولم أستشر طبيب فيها أبدًا، وهذا يعني أنها قد لا تفلح معك بالضرورة، فالقلق له درجات متفاوتة، ويحتاج أحيانًا الذهاب لمختص والخضوع للعلاج.

وحتى لا نُطيل بالمقدّمة أكثر، إليك الأساليب التي أتّبعها للتعامل مع القلق:

  1. الرياضة متطلب وليست رفاهية

أنا مُتأكّد أنك سمعت هذه النصيحة عشرات بل مئات المرات، ولكن هل تُطبّقها حقًا؟ إن ممارسة الرياضة مُهمّة جدًا أثناء رحلتك للتحكّم بمستويات القلق عند درجات منخفضة.

شخصيًا، لا أُمارس سوى رياضة المشي آخر سنتين، وكنتُ سابقًا أمارس كرة القدم. ولكنّي أمشي مسافات طويلة نوعًا ما، في بعض الأيام تتعدّى المسافات التي أقطعها +17 كم، وعلى الرغم من أنني قلّلت هذه المسافة وعدد أيام المشي الأسبوعية الفترة الأخيرة، إلا أنني حريص على المحافظة على هذه العادة دومًا.

المشي ليلًا في شوارع غزة المظلمة، والجلوس قرب البحر، عادات تعبّدية بالنسبة لي، فمن خلالها أُفرّغ جلّ طاقتي السلبية في جلسة حوارية مع النفس، لا تستمر طويلًا، سرعان ما تنتهي بقدوم متسوّل أو بائع يُعكّر صفو السلامليُطالبك بالشراء غصبًا ويُهدّدك بأنك ستكون سببًا بموته وعائلته جوعًا إن لم تشترِ منه “بسكوت” منتهى صلاحيته منذ ثلاثة أشهر. حينها إما أن تخضع وتشتري البسكويت الفاسد منه ثم تضعه بجانب الطريق، أو ترفض وتطلب منه الابتعاد، وغالبًا هذا ما أفعله، فيبدأ بدوره بالدعوة عليك و”يتحسبن” الله فيك.

وبالمناسبة، وقبل أن تبدأ بمهاجمتي ودعوتي لأكون لبقًا مع هذه الفئة، هم يعرفون بأن أفعالهم مزعجة، وملابسهم المتسخة تجعل الناس تفعل أي شيء لإبعادهم، والأدهى أنّ أغلبهم لا يكونوا “على باب الله” مثلما يدعون، بل هم ينتهجون هذه الأساليب التسويقية لتحقيق مُرادهم.

صور بحر غزة المُحافِظ على أناقته وجماله رغم الحروب المتتالية التي يشهدها بين الفينة والأُخرى:

2. القواعد والأنظمة أسلوب حياة

أنا لست من محبي وضع الأنظمة المتشدّدة، لكنّي مُضطر لفعل ذلك، فلم تنجح معي سوى هذه الطريقة، فتأطير السلوك يجعلك غالبًا تُؤدّي بشكلٍ أفضل. إن تحديد ما يجب عليك فعله والتخطيط لمهامك مسبقًا سيمنحك دومًا شعورًا بالراحة والإنجاز.

أيضًا يجب عليك الحرص على وضع نظام نوم صحي في حياتك، وهنا أرغب بالتشديد على أنّ نظام النوم المبكّر (العاشرة مساءً) والاستيقاظ مبكرًا (الخامسة صباحًا) هو الأفضل. وهذا الأمر تحديدًا يصعب عليّ قوله، ولكن كوني كائن ليلي لن يمنعني من الاعتراف بأنّ نظام النوم السابق، والذي أتبعه حاليًا، يمنحني راحة بال وفائضًا من الوقت لإنجاز المهام الكثيرة.

كما أنّ الدراسات العلمية تُوصي باتباع أنظمة غذائية صحية لتقليل نوبات الجزع والقلق. ولكنّي شخصيًا لم أُجرّب اتباع نظام غذائي من قبل، فقط آكل كل ما هو حلال في أي وقت ما دمت جائعًا.

3. ابتعد عن التسويف قدر الإمكان

يأتي التسويف بالمتربة الأولى التي تُعيق تقدّمي في جميع جوانب حياتي.

مثلًا: لقد خطّطت في نهاية شهر أكتوبر المنصرم للبدء بتفعيل مشروعي التجاري القديم الذي بدأته عام 2020، وهو البيع بطريقة الدروبشيبينغ (dropshipping)، وتجهيز المتجر لاستقبال “الجمعة البيضاء”، ولكن لم أتواصل حتى مع زميلي الذي كان من المفترض أن يعلّمني كيفية تفعيل المتجر وفق القواعد الجديدة.

هذا غيضٌ من فيض السلبيات التي يفرضها التسويف على حياتي بأكملها، فتأجيل فكرة تفعيل المتجر وضعتني في ورطة حقيقية وستُأثّر على مسارات أُخرى، إذ كان من المفترض مع تفعيله بداية الشهر أن تتدفّق المبيعات الآن، وبهذا كان من الممكن حل مشكلة سداد القسط الجامعي القادم. لكن الآن عليّ البحث عن مخرج جديد.

واستكمالاً للنقطة السابقة، فإنّ التخطيط المسبق للمهام، والتركيز على إنجازها هو جزء من حل التسويف.

يمكنك تجربة إعداد قائمة بالمهام التي ترغب بإنجازها خلال اليوم، ثم اختيار مهمة واحد فقط للتركيز عليها، واحرص على عدم قيامك بأنشطة أخرى حتى تنتهى منها. أعتقد أن هذه الطريقة نافعة. {طالع كتاب (التهم هذا الضفدع) لتتعرّف على حيل تساعدك في القضاء على التسويف}

4. قلّل من نسبة تعاطيك للكافيين والنيكوتين قدر المستطاع

حينما أدركت بأنّ الكافين والنيكوتين سبب مباشر في إثارة القلق، قرّرت التخلّص من مصادره الرئيسية في حياتي، وهم: التدخين و”النسكافيه” أو القهوة سريعة التحضير، سَمّها ما شئت، والمشروبات الغازية.

بدايةً، كان قرار الإقلاع عن التدخين صعبًا للغاية، احتاج مني مجهودًا كبيرًا، وبالمناسبة لم أكُ مُدخن منذ وقت طويل بل في بداياتي (أقل من سنتان)، لكن لم أتراجع أو أتوانى لحظة على حث نفسي على الصبر منذ أخذت قرار الإقلاع، والآن أنا مُقلع عن التدخين تمامًا منذ سنة ونصف -ولله الحمد-.

Photo by omar alnahi on Pexels.com

أمّا المصدر الثاني، مشروبا “النسكافيه والقهوة” لم يكُ التخلّي عنهما صعبًا، ولم أتخلى عنهما إطلاقًا، بل لا زلت أتناولهما بكميات أقل على فترات متباعدة.

المصدر الثالث، وهو المشروبات الغازية، أقلعت عن تناوله تمامًا بالتوازي مع إقلاعي عن التدخين.

كانت تجربة الإقلاع عن هذه المدخلات الرئيسة في يومي تجربة فريدة ونافعة جدًا، من خلالها اختبرت عزيمتي وأنقذتُ نفسي من سيطرة أهوائي، وبالتالي خفت شعور القلق الدائم بشكل ملحوظ.

5. كفّ عن متابعة الأخبار

خلال العام الماضي، 2020، كانت الأخبار مأساوية لجميع سكان كوكب الأرض، لم يكُ أحد سعيد، جميعنا كنا قلقون للغاية، نترقب مصيرنا وما ستؤول إليه الأمور، نسأل نفس السؤال: متى ستنتهي جائحة كورونا؟ ولا جواب واضح، بل لا شيء واضح وليس فقط الأجوبة. من منا لم يفقد عمله خلال الجائحة؟ هل هناك شخص لم يتضرر بشكلٍ أو بآخر خلال العام الماضي؟

جميعنا كنا قلقون، ولكن البعض أسرع بالبحث وإيجاد الحلول، والبعض ركن جانبًا وسمح للمشاكل النفسية تتسرب داخل حياته. وأعتقد أن جميع من اتبع حمية ضد الأخبار، استطاع تجاوز الأمر.

هذا يقودنا إلى السؤال التالي: لماذا تهتم الناس بقراءة الأخبار؟ والجواب ببساطة: لأنّ البشر كائنات اجتماعية بطبيعتها، تُحب الاطلاع على أخبار الآخرين، والتعرّف على ما يدور حولها.

ولكن أنت لست مُطالبًا بقراءة كل الأخبار الموجودة على وجه البسيطة. اكتفِ بمتابعة الأخبار التي تهم عملك مثلاً، وتَجاهل أخبار السياسة والاقتصاد و”التريندات المجتمعية” وغيرها من الأخبار التي لن تضيف لحياتك أي فائدة تُذكر. ولا تقلق، الأخبار التي تهمك فعلًا وتُأثّر على حياتك ستصلك أينما كنت بدون سعي منك.

6. منصات التواصل الاجتماعي ليست كما يصوّرها لك الآخرين

كم شخص نصحك بالابتعاد عن تلك المنصات الشيطانية؟ عشرة؟ مئة؟ ألف؟

أنا مثلك تمامًا، استجبت للنصائح بالإضافة إلى أنّني كنت أُصاب بتوتر من منصات “السوشال ميديا” فعلًا، وحاولت الابتعاد عن تلك المنصات عشرات المرات، ولكن هل هذا كان مُجدي فعلاً؟

بعد تجاربي تلك، يمكنني القول بأنّ الابتعاد عن منصات التواصل الاجتماعي ليس حلاً نهائياً، وكما أنك بفعلتك هذه؛ تبتعد عن فرص مهنية واجتماعية لا تُحصى.

صحيح أنّ منصات التواصل الاجتماعي لها أضرار جسيمة {شاهد فيلم The Social Dilemma لتعرف تلك الأضرار} لكن يمكنك تطويعها لتحصد منها منافع جليلة، مثلاً: ألغي متابعة جميع الحسابات التي تتحدث بالسياسة، فلا نفع لها ومعظمها متحيز، وابدأ بمتابعة أشخاص من نفس مجالك، تفاعل معهم، وأظهر اهتمامك بالمجال، ليعرفك الآخرين، وبذلك أنت تفتح لنفسك عالماً واسعا من الفرص.

وأخيرًا، ابتعد عن مقارنة نفسك بالآخرين، لأنّ كل شخص عاش ألم لا تعرفه حتى وصل للمرحلة التي تحسده عليها وتُقلِق نفسك بالتفكير حول ما إن كنت ستصل لنفس مستواه مستقبلًا. بدلًا من ذلك، راقب ما ينشره وتعلّم منه، واطلب منه نصائح، تجعلك أفضل وتُحسّن من مستواك، كلما سنحت الفرصة.

Photo by Tracy Le Blanc on Pexels.com

مؤخرًا أنا بدأت بالرجوع لهذه المنصات بحذر شديد بعد انقطاع طويل. الآن أنا لدي حساب على منصتي “تويتر” و”لينكدإن”، وتخلّيت عن “سناب شات” و”فيسبوك” و”تمبلر” و”تيكتوك” و”انستكرام”، أو قل أني لم أعد نشطا هناك.

هل تخيّلت كم الوقت الذي كنت أسرفه في تصفّح هذه المنصات؟ كنت أسحق نفسي بكلّ ما للكلمة من معنى.

وإذا كنت تسأل عن كيف تمكّنت من فعل ذلك: ببساطة حذفت جميع المنصات، باستثناء تطبيقات الدردشة النصية، من هاتفي، وأصبحت لا أتصفّحها إلا من خلال حاسوب مكتبي أو متصفح الهاتف، بالإضافة إلى أنني أُحدّد، بواسطة ميزة يوفّرها هاتفي، وقت تصفّح لكل تطبيق.

ومع اقترابك من نهاية تدوينة اليوم، قد تتساءل: ما الجديد في تجربتك؟ ألم تعدني في المقدمة بنصائح عملية لأتخلّص من القلق؟

نعم، تجربتي، كما وصفتها أنت، عادية جدًا، وأنا ذكرت بالأعلى بأنّ الأساليب المتّبعة هي أساساً نتيجة “جوجلة” أقوم بها من حين لآخر حول الموضوع.

ولكن دعني أقول لك شيئًا أخيرًا: لا يوجد أحد على وجه هذه الأرض، ولا حتى الخيميائي صديق باولو كويللو، معه الوصفة السحرية للخلاص. إنّ التغيير يبدأ بإدراكك لضرورة التغيير، ثم السعي المستمر لإيجاد طرق الخلاص. وأعتقد بأنك ستخوض نفس التجربة، بل أعتقد، ولا أعرف مدى صحة اعتقادي هذا، أنّ معظم تجارب البشر متشابهة ومتكررة بأزمنة وأماكن مختلفة.

وأودُّ التنبيه أيضًا: إذا كنت تشعر بأنّ القلق يُؤثّر على حياتك بشكلٍ كبير، يجب عليك زيارة طبيبٌ مختص لتشخيصه ووصف العلاج المناسب لك. إنّ القلق أحد الأمراض النفسية التي تحتاج للعلاج، مثله مثل باقي الأمراض.

إلى هنا، أنت وصلت إلى نهاية تدوينة اليوم بسلام. بإمكانك الآن الذهاب لتصفّح الانترنت أو تجربة المشي ليلًا لمسافات طويلة!


شكراً جزيلًا لإكمالك القراءة حتى اللحظة، مع أنّني أشرت لك بالذهاب، ودعني أستغل صبرك هذا بطرح بعض الأسئلة عليك:

سؤال #1: إلى أي مدى تعتقد بأنّ القلق يؤثّر على حياتك؟

سؤال #2: كيف تتعامل مع القلق في حياتك؟ اكشف لنا من فضلك أساليبك السرّية، لعلها تكون مفيدة لنا.

فكرتان اثنتان على ”كيف أتعامل مع القلق؟

  1. تدوينة رائعة جدا، والصور جميلة
    أصبت كبد الحقيقة.
    فيما يخص المتسولين والباعة لقد أضحكني الموقف، كنت أظن انه يحدث عندنا فقط 😂😂، المتسولين توقفت عن اجابة تساؤلاتهم لاننا علمنا ان معظمهم لديهم قصور وفلل، والذي يحتاج الى شيء، هناك الكثير من الجمعيات التي تتولى عنهم الاحراج وتساعدهم.
    المشي فعلا وسيلة رائعة للتخلص من القلق، ومن الاكتئاب ويساعدك للتفكير وصفاء الذهب وكتابة القصص في عقلك أيضا، كنت أخرج مع والداي، لكنني توقفت لبعض الظروف.
    التوقف عن سماع الاخبار لامسته فعليا هذه السنة، بسبب أعمال البناء في بيتنا فككوا الستالايت، واصبحنا نشاهد برامج محددة من خلال كمبيوتر على الانترنت، وتوقفنا كليا عن الاخبار وكانت خطوة رائعة جدا.

    السؤال الاول: الى مدى كبير القلق يولد الإكتئاب وهذا يدخلني في حالات سيئة، بصعوبة أخرج منها.
    السؤال الثاني: بالإضافة الى ما ذكرته، اتخلص منه من خلال الرسم، القراءة والكتابة، حتى لو دخلت في حالة اكتئاب افرغ طاقتي في احد هؤلاء حتى لو بالإجبار

    Liked by 1 person

    1. شكرًا ولاء. أسعدني تعليقك وأنّ التدوينة نالت إعجابك.

      // صحيح، بالإضافة إلى أنّني مقتنع تمامًا بأنّ المحتاج فعلاً قلما تراه يطلب يد العون، غالبا لا يشكو ولا تسمع عنه أساسًا.

      // أساليب رائعة، وبالمناسبة رسوماتك جميلة، شاركيها معنا باستمرار.👌

      Liked by 1 person

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s